احصائيات 2018

الابحاث المستلمة: 73

الابحاث المقبولة: 32

الابحاث المرفوضة: 21

قيد التحكيم: 20

الدراسات المنشورة: 31

العروض المنشورة: 7

البحوث الجارية: 3

Print E-mail
العدد 33، ديسمبر 2013

التكريم بين الضياع والابتذال

 

بقلم د. سعد الزهري

أستاذ علم المعلومات المساعد

جامعة الملك سعود

الرئيس الأسبق للاتحاد العربي للمكتبات والمعلومات

الرئيس الأسبق لجمعية المكتبات المتخصصة بالخليج

This e-mail address is being protected from spambots. You need JavaScript enabled to view it

This e-mail address is being protected from spambots. You need JavaScript enabled to view it

 

توطئة

انتقل الدكتور هانئ محيي الدين عطية (1961-2012) إلى جوار ربه في القاهرة قبل نحو عام رحمه الله تعالى وغفر له. والدكتور عطية الذي تخرج من جامعة ويلز في المعلوماتية الإسلامية في عام 1991 يُعد واحدا من أبرز العقول العربية في مجال المكتبات والمعلومات، هذا بخلاف ما يتمتع به من علاقات مميزة وسمعة طيبة بين طلابة وزملائه في الوطن العربي بعامة وفي جمهورية مصر بخاصة. وإنني إذ أسطر حروفي هذا أولا تقديرا لهذا الرجل الذي لم يقدر في حياته بما هو أهل له، وثانيا لشحذ الهمة لتقدير علماءنا وأساتذتنا في حياتهم قبل مماتهم. ومما جاء في الكتابات عن رحمه الله ما خط قلم الأستاذ محمد معوض في مجموعة الجمعية السعودية للمكتبات والمعلومات (سليا) حيث قال:

(فقد مجتمع المكتبات والمعلومات العربي واحدا من أعز أبناءه المغفور له بإذن الله تعالى الأستاذ الدكتور هانىء محيي الدين عطية أستاذ المكتبات والمعلومات ووكيل كلية الآداب جامعة بني سويف.والدكتور هاني لمن لا يعرفه علم من أعلام المكتبات والمعلومات وإنتاجه الفكري خير شاهد على جهوده في هذا المجال. http://www.hani-live.com/showlevel.aspx?id=30

وفي أواخر تسعينات القرن الماضي، قام أخونا الكبير الأستاذ الدكتور أحمد تمراز في مقال نشر له في مجلة الملك فهد الوطنية بعرض لكتاب من تأليف الدكتور هانىء، أفرد وأفاض في مقدمة المقال الصفات والخصال الحميدة للدكتور هانىء وهو لا يزال شابا في بداية طريقه العلمي معالإشارة إلى عراقة أسرته وجهودهم الفكرية في مجال علوم الدين الإسلامي. وتمر الأيام ويثبت الدكتور هانىء أقدامه في المجال..)

كما انتقلت الفاضلة الدكتورة سيدة ماجد التي عرفت بهدوئها وبدماثة الخلق، فضلا عن علاقاتها المتميزة ليس فقط مع زملائها وزميلاتها، بل أيضا مع مختلف شرائح طلابها وطالباتها. شخصيا عرفتها في مؤتمرات الاتحاد العربي للمكتبات والمعلومات، وقد عرفت فيها الأستاذة "الإنسان" في شخصها وشخصيتها. لم أرها إلا مبتسمة، حتى ونحن نمر بأصعب الضروف خلالل مؤتمر الإسكندرية 2004 و ما صاحبه من مشكلات. رحمها الله وعفا عنها وغفر لها.

وقبل نحو أربع سنوات فقدنا الأستاذ الدكتور محمد أحمد السنباني رئيس قسم المكتبات والمعلومات في جامعة صنعاء وأحد مؤسسي الاتحاد العربي للمكتبات والمعلومات قبل أن يحصل على تقدير عربي يوازي ما قدم (باستثناء تقدير الاتحاد له مع ستتة من مؤسسي الاتحاد في مؤتمر جدة 2007). وقد نادينا في أكثر من موقع وعلى أكثر من صعيد بضرورة العمل على إيجاد آلية لتكريم من يستحق وبالطريقة المناسبة. ولكن الأيام تمضي -بل تجري- قبلأننحقق شيئا من هذا.

وعلى الصعيد المحلي هنا بالمملكة العربية السعودية، فقدنا واحدا من "أهم" أساتذةوعلماء المكتبات في المملكة العربية السعودية وهو أستاذنا الدكتور عبدالله صالح بن عيسى أستاذ المكتبات والمعلومات المساعد بجامعة الملك عبدالعزيز ورئيسه السابق بعد حياة حافلة بالعطاء وبالبذل، تميز فيها رحمه الله بخلقه وتواضعه وحسن صلاته مع طلابه وطالباته. وأذكر أنني لما تقدمت لدراسة الدكتوراه، تقدم وقال لرئيس القسم آنذاك: "هذا (ويشير إلي) يحق له يعطي دكتوراه.." وطبعا أخدتها من باب تشجيعه وحسن ظنهرحمه الله، ولكن الكلمة فعلت فيّ الأفاعيل من حيث التشجيع والعمل لتحقيق شيئا مما قاله ومما ظنه بي. عفا الله عنه وغفر له.

كما فقدت ساحة المكتبات والمعلومات يسرى أبو عجمية التي قدمت الكثير للمكتبات الفلسطينية، وعرفت بنشاطها ومتابعتها وعملها الجاد والدؤوب في خدمة المهنة والمعرفة وفي خدمة الأمة بشكل عام. كما تركت بصماتها في فلسطين وفي مكتبة عبدالحميد شومان وفي عديد الملتقيات التي حضرتها.

 

اليوم وغدا:

وفي أواخر عام 2011، كنت قي زيارة ليبيا وحضرت المؤتمر الأول للجمعية الليبية للمكتبات والمعلومات، وكتبت بعض مشاعري التي تتقاطع في مضمونها مع هذه الكلمة، ونشرتها بصفحتي في الفيسبوك يوم20/12/2012 والتي جاء فيها:

عدت من ليبيا الحرة مساء أمس بعد أن قضيت فيها أياما هي من أجمل أيام حياتي، ليس لأن ليبيا المكان السياحي الأول في العالم، ولكن لأن فيها الشعب الأطيب في العالم مع تقديري لكل الشعوب العربية. الشعب الليبي لا يزال يحتفظ "بألق" الضيافة العربية الأصيلة، وبالأريحية التي فقدتها كثير من الدول التي سعى وتسعى شعوبها للحاق بالحضارة المادية في الشوراع وفي البنيان وللأسف حتى في السلوكيات وطريقة العيش والحياة.

ففي الوقت الذي يتوق كثير من الغربيين "لروح" الحياة الذي لا يزال ماثلا بين ظهرانينا، تجد غالبيتنا -إلا من رحم ربي- "يلهثون" لنمط الحياة الغربي غير مدركين بأنهم يتنازلون عن أهم "مكون" حضاري عربي يتمثل في التواد والتراحم والترابط.

زرت ليبيا فعادت بي الذاكرة ثلاثين عاما لقريتي، قرية جبر في منطقة الباحة بجنوب السعودية، حيث كان الناس يهتمون ببعضهم البعض، ويستقبلون المسافر بالأفراح ويشيعونه لأقصى نقطة ممكنة في سفره، ويتعاطفون مع الضعيف ويقفون مع المريض والمصاب، ويلتفون حول "طينة البيت" حيث يجتمعون لإكمال تغطية البيت بالسقف ويعملون فرحا بذلك واحتفالا..نعم لقد تذكرت أياما جميلة من خلال زيارتي الجميلة لليبيا الجميلة. ليبيا جميلة بشواطئها وببحرها وبمناطقها السياحية(صبراطة مثلا) وبجوها العام حتى وهي تمر بظروف استثناية، لكن ليبيا أجمل بناسها، وكما يقول المثل الشائع: جنة بدون ناس ماتنداس.

ليبيا لا يزال أهلها محافظون على عراقة عربية أصيلة في وجه غزو حضاري تتوق إليه الأفئدة العربية غير مدركة للأسف ماهي مقدمة عليه، في وقت كان الأولى والأحرى أن نتمسك بأصالتنا مع الأخذ بما يفيدنا، ولله در القائل:

ومن تكن الحضارة أعجبته...فأي رجال بادية ترانا

وأمام هذه الطيبة الصادقة في نفوس الليبين، لم يكن غريبا ذلك الاحتفال وتلك التضاهرة وتلك الفرحة التي كانت ظاهرة خلال تكريمهم لرمز علمي من رموز تخصص المكتبات والمعلومات (د. عبدالله الشريف)، فقد كان الاحتفال عفويا وتلقائيا بشكل أوقع على الأنفس. وكم تمنيت لو أن بقية الشعوب العربية تستطيع تكريم رموزها بهكذا طريقة. علمت بأن بعضهم على خلاف مع الشريف، لكن ذلك لم يمنع ذلك البعض من المشاركة الفاعلة في التكريم، فيما ترمي بعض الرموز العربية بعضها بالحجارة فضلا عن المشاركةفي التكريم. وهذا أبلغ مثال على الالتزام بمنهج رباني (ولا تنسوا الفضل بينكم)..وللحديث صلة..}

كرم الليبيون أيضا شخصية أخرى - بجانب د. الشريف - خدمت المهنة طوال عقود وقد توفي من نحو عشرين عاما، حيث تسلمت عائلته درعا تذكارية وتليس سيرته الذاتية وتحدث من عرفه منهم عنه وعن بعض منجزاته. والأهم أن الحاضرين ترحموا عليه، وأحس أهله بقيمة منجزات فقيدهم الأمر الذي أثر في نفسياتهم بشكل طيب.

 

جهود الاتحاد في التكريم:

قمنا في الاتحاد (مكتب 1997-2000 برئاسة د. التميمي) بتكريم أ.د. شعبان خليفة في مؤتمر الاتحاد في نابل عام 1999 كأول شخصية عربية يكرمها الاتحاد. ولاشك بأن شعبان ومن كرم بعده يستحقون التكريم ويستحقون المزيد، فما قدموه أكبر بكثير مما حصلوا عليه، ولكن "يكفي من القلادة ما أحاط بالعنق" كما جاء في المثل. كما كرمنا أستاذناأ.د. عبداللطيف صوفي في لبنان في تظاهرة متميزة وغير مسبوقة في عام 2002. ثم تم تكريم أ.د. عبدالجليل التميمي في عام 2003 في ليبيا. وفي عام 2006 كرمنا أ.د. وحيد قدورة، ثم سعدنا بتكريم أ.د. فتحي عبدالهادي في جدة 2007، ثم أ.د. أبوبكر الهوش و أ.د. مبروكة محيريق في عام 2008 في القاهرة. وتوالى التكريم لكل من أ.د. هاني العمد و أ.د. نزهة ابن الخياط ثم أ.د. ناجية قموح وأ.د. جاسم جرجيس و أ.د. عزالدين بودربان و أ.د. حسناء محجوب، قبل تكريم معالي أ.د. علي بن غبراهيم النملة، وأخيرا وليس آخرا محمد جرناز وعزالدين بودربان في المدينة. وإنني إذ أذكر هذا لأوكد بأن هذه جهود قد تكون فردية، أما المأمول فهو أكبر من المؤسسات العلمية والهيئات والمنظمات في الوطن العربي.

قليلة الجوائز التي حصل عليها المكتبيون في الوطن العربي، فبخلاف جائزة الملك فيصل التي حاز عليها باقتدار كل من أ.د. عبدالستار الحلوجي و أ.د. يحيى بن جنيد؛ وجائزة الدولة التشجيعية في مصر التي حاز عليها أ.د. شريف كامل شاهين وجائزة التميز للدكتور فتحي عبدالهادي(قد يكون هناك جوائز لم أطلععليها)، إلا أن علماء المكتبات يستحقون أكثر بلا شك، وإنني أهيب بالاتحاد وبكافة الجمعيات الوطنية للمكتبات والمعلومات أن يعملوا على دعم المرشحين للجوائز في مختلف الجوانب التي تتناسب طبيعتنا ومهنتنا وتخصصنا.

إن أجمل مافي التكريم أنه يأتي كوفاء للعطاء وبخاصة إذا جاء لمن يستحق، ولم تتغلفه المجاملات التي تفسد التكريم للمكرم وتظلم غير المكرم. كما أنه يزداد جمالا عندما يلتحم الجمهور مع قرار هيئة التكريم ليعبروا عن دعمهم وتشجيعهم للتكريم فضلا عن موافقتهم على عمليةالاختيار. كما أن التظاهرة الشعبية التي تصاحب التكريم (كما حصل في ليبيا عند تكريم الشريف كرمز وطني ليبي في المجال) تزيد من روعة التكريم ومصداقيته. أما تعبير المكرمين عند التكريم فيكون ذا أهمية  وبخاصة عندما يكون الكلام بليغا (كما حصل في نابل عند تكريم شعبان خليفة الذي قال كلمة اغرورقت معها العيون)، وخير التكريم هو ماتتوافق فيه كل العناصر مثلما حصل في تكريم العلامة الصوفي في لبنان حيث التفت الجماهير وقدمت كلمات بمستوى المناسبة قبل أن يشنف أسماعنا الصوفي بكلمات (ليست كالكلمات)..!

 

خطورة الابتذال ومصيبة المجاملات:

وفي الوقت الذي أنادي بأعلى صوتي بأن يتم التكريم لكل من يستحق، فإنني أرفع صوتي أيضا ضد المجاملة التي بدت ظاهرة في التعاطي مع البعض، وضد تجاهل من يستحق التكريم، وفي ظني أن أ.د. عبدالرازق يونس وغيره يستحقون التكريم من الاتحاد ابتداء، ولكن سامح الله من أغفل أو تغافل عن القيام بذلك.

كما أن الإكثار من الدروع يفقد التكريم قيمته، وينقص من قيمة المكرمين المستحقين للتكريم باقتدار. وإنني إذ أقدر التفاوت بالرأي، ولكن من المهم أن تكون هناك معايير لهذه الجوائز والتكريمات. مع يقيني بأن أصحاب الهوى من القيّمين على المؤسسات والجمعيات يستطيعون "لي" أعناق النصوص لتستجيب لرغباتهم، حيث عملت شخصيا على إعداد قانون لجائزة "نسيج" التي يقدمها الاتحاد العربي للمكتبات والمعلومات، ولكن التطبيق يبقى بيد القائمين على الاتحاد. وليس هذا اعتراض على من كُرّموا وهم يستحقون ولا شك، بقدر ماهو تنبيه إلى أن الأولوية قُدرت بشكل خاطئ في ظني، سواء بقصد أو بغير قصد، والله من وراء القصد.