احصائيات 2018

الابحاث المستلمة: 73

الابحاث المقبولة: 32

الابحاث المرفوضة: 21

قيد التحكيم: 20

الدراسات المنشورة: 31

العروض المنشورة: 7

البحوث الجارية: 3

Print E-mail
العدد 25، يونيو 2011

دور المعلومات في تغيير الوجه القبيح للسلطة ..

 

د. زين عبد الهادي

كاتب مصري، استاذ علم المعلومات بجامعة حلوان

This e-mail address is being protected from spambots. You need JavaScript enabled to view it

 

 

يمكن القول بأن الصراع الذي يدور بين جماعة شباب حركة 25 يناير وبين النظام المصري هو صراع لجماعة تنتمي لعصر المعلومات ونظام ينتمي للعصر الانزراعي والصناعي، وفشل تقريبا كل القاطنين في عزبة النظام وكذلك الثوار والسياسيين القدامى القاطنين في أوراق الكتب والصحف والاعلام القديم في قراءة تلك الحركة التي كانت تداعياتها أسرع من كل أفكارهم وطموحاتهم السياسية، لماذا ؟ ربما تقدم الكلمات التالية الإجابة.

اختلف الكثيرون على تسمية ماحدث في مصر، فبين الحركة والانتفاضة والثورة والتظاهرة انتشرت مصطلحات كثيرة، لماذا؟ ربما لأن مايطالب به المتظاهرون لم يتحقق بعد من ناحية، واستمرار الحكومة في وجودها في السلطة بشكل أو بآخر حتى وان تغيرت بعض الوجوه، وعلى سبيل المثال مازال طارق كامل المسئول عن وزارة المعلومات موجودا رغم أنه هو الذى قام باغلاق الانترنت والاتصالات في مصر، بعد أن أدرك النظام متأخرا مدى أهمية الانترنت والشبكات الاجتماعية في حركة التغيير والدفع للتغيير، وكان أولى به أي طارق كامل أن ينسحب من الحياة السياسية تماما احتراما لتاريخه في هذا المجال، وإلا فإن أى تغيير هذا الذي نتحدث عنه؟، وهذا التساؤل موجه لكثير من الوزراء في الحكومة التي يرأسها الفريق شفيق!

أثبتت الأحداث أن الحكومة الانزراعية لم تستوعب حالة التغير التي تمت خلال السنوات الماضية في المجتمع المصري، إن ثورة الشباب البرئ التي تمت خلال الأيام الماضية ومازالت مستمرة، تكونت في رحم الانترنت والشبكات الاجتماعية.

الحقيقة أنه كانت هناك اسباب عدة لهذا النجاح لم يستطع النظام قرائتها، ولم يستطع أقوى المحللين السياسيين التنبؤ بها، لأنها مثلا أتت مغايرة لنجاح أوباما ( الأسود) - مع اعتذاري لقول ذلك - في الانتخابات الأمريكية، لأن هذا (الأسود) علم الأمريكيين عبر الفيس بوك والتويتر والياهو والفيس بوك سلوكا جديدا لم يعهدوه من قبل، بينما نجحت حركة الشباب المصري على الرغممن أنها جرت في الاتجاه المضاد لما فعله أوباما، بمعنى أن أوباما سعى لتغيير سلوك الناخبين في ظل استقرار الدولة الأمريكية وثبات أركانها الدستورية والقانونية والديمقراطية والمؤسسية، بينما سعى الشباب المصرى إلى التغيير في ظل عدم ثبات أركان الدولة من رأس النظام إلى أصغر عضو فيه، هذا من ناحية، من ناحية أخرى أن المتابع للحركة السياسية للشباب المصري في الشارع يرى أنها كانت اشبه بحركة عالمية، لم يحسب النظام في مصر حسابا لما يعرف "بالشفافية المعلوماتية"، لقد كان الشارع المصري بكل مايحدث به تحت دائرة الضوء على المحيط العالمي عبر الانترنت، فيما كان النظام يرى أن قواته الأمنية التي تبلغ مئات الآلاف ستحميه، لقد كان المجتمع السيبرانى كله يري حركة الشباب ويتابعها ويدعمها بأشكال عدة منها مؤسسات المجتمع المدنى وتزايد الحركات الاحتجاجية خلال السنوات الست الماضية، أضف إلى ذلك أن عبقرية ثورتهم المعلوماتية أتت من تفاعلهم، فالنظام لايعترف بالآخر وتم تكميمهم وتكتيفهم وتعذيبهم واعتقالهم، اسكاتا لصوتهم، صوتهم الذى تحملته شبكة الانترنت كلها، تقدم الانترنت إذن لهم ميزة افتقدوها في الشارع الذى لاينصت إليهم بشكل كان يجب فيه أن يتنازل فيه عن كبرياؤه المزيف، كان حوارهم يتصادم ويتعالى ويتفق ويختلف، لكنه حوارا بين طرفين يؤمن فيه كل طرف بقيمة الآخر، فيما أنعدمت قيمتهم لدى الدولة التي مارست كل الديكتاتورية القابعة في جعبتها لإسكاتهم أو لتزوير ارادتهم، أو لخنقها تماما، فالجامعات لم تعد تصلح للديمقراطية، وأصبح التعيين في كل المؤسسات هو السائد، ولم يعد مسموحا بممارسة حق الاختيار، وبالمناسبة فالديمثراطية في ألساس تعني حق الاختيار الشخصي، وإذا كان هناك عشرة مؤمنين بهدفهم، فإنهم اقوى من مائة غير مؤمنين بذلك، بمعنى أن الحزب الوطني مثلا بعدد أعضاؤه البالغ 2.7 مليون عضو أغلبهم من الشباب، لم يستطع مواجهة 600 ألف ناشط على شبكة الانترنت نزل منهم إلى الشارع مائة ألف تقريبا فقط، فيما فقد الشباب المنضم للحزب نفسه الهدف من التواجه فيه، فأهداف أغلبية هؤلاء كان الحصول على فرصة عمل أو السفر في فسحة، أو التقرب من رؤساء وأعضاء الحزب، وهو مايعني أنهم أنضموا لسباب شخصية، وحين انجلت الحقيقة اختفوا من الصورة وانضم الآلاف منهم لحركة التحرر المضادة.. وسيأتي اليوم الذي نستمع فيه إليهم، فهاهو امين الشباب والمسئول الأول عن المجلس القومي للشباب يعترف بخطأه، ولكن وكما يقول المثل " كنتي فين يالأه لما قلت أنا آه"!

من ناحية أخرى حملت الأداة الحضارية الجديدة التي تمثلت في شبكة الانترنت الشرارة التي كانت تنبئ بدلالات قاطعة على أن الثورة في طريقها إلى التحقق لامحالة، والحقيقة يستوقفنى هنا مجموعة من الحوادث التاريخية التي تؤكد على أهمية الاداة واستيعابها من جانب وعلى ظهور قوى جديدة مبنية على حراك وتبدل الأجيال من جانب آخر.

إبان حروب المرتدين والمتنبئين في عهد أبو بكر تم التوصل إلى كتابة القرآن وحفظه بأي شكل من الأشكال على الأدوات التي كانت متاحة في ذلك الوقت من عظم ورق وحجارة، ولو لم يتم ذلك لتفرق القرآن لأن المجتمع العربي في ذلك الوقت كان مجتمعا مبنيا على الشفاهية شبه المطلقة كأداة لحفظ التراث، ثم ظهر الورق بعد ذلك كوسيلة أكثر تأثيرا في حفظ التراث من جانب ومن جانب آخر كأداة لنقل الأفكار وعلى نطاق عريض من أجل تحقيق التغيير الاجتماعي ولم يكن مأمولا أن يمكن لهذه الأداة أن تقوم بذلك، ومع انتشار الصحف في القرن السابع عشر اصبحت الحركات الاحتجاجية والثورات تتم بمعدل اسرع وأعلى، لنأتى للعصر الصناعى حيث جهاز التليفزيون قادر على نقل الأحداث، ولكن هل هو قادر على الحراك الاجتماعي، الحقيقة أنه قادر في حدود، لأنه أداة غير تفاعلية إلا في أضيق الحدود، لكنه أداة للشفافية التي تفقدها الكثير من الحكومات الانزراعية التي تتسم بقدر كبير من الديكتاتورية، الانترنت أتت لتحمل كل المزايا وتتجنب كل العيوب، الفيس بوك يحقق مايعرف بالتواجد الشخصي ويحقق جانبا آخر من ثبات كبرياء الفرد بوجود صورته وبياناته وأصدقاؤه وأنشطتهم من جانب، ومن جانب آخر يحقق التفاعل بينهم، بينما صفحات المجموعات على الانترنت (الجروب) حققت التفاعل على مستوى جمعي اكبر بمقتضاه يتم معرفة كل مايشغل الشارع وهمومه، وفي نفس الوقت هى أداة للشفافية المجتمعية للتعرف على الأحداث المسمومة التي يقدمها النظام عبر عقود على موائده للشعب، هذا الكبرياء وتحقق الذات هوماأشار إليه فرانسيس فوكوياما في "نهاية التاريخ"، وإذا كان كبرياء الدولة لايتحقق لأنها اصبحت دولة ليس لها أي تطلعات أوكبرياء أو أهداف كبرى ينضوى تحتها الجميع، فإن كبرياء الفرد هو الذى يتحقق في تلك الحالة، ويعقبه كبرياء المجموعات المتجانسة فكريا على الأقل، أو عقائديا كما في حالة الأقباط من جانب والاخوان المسلمين من جانب آخر، ويتحقق بشكل عملى من خلال وجودهم على شبكة الانترنت بهذا الشكل الكثيف.

أعود للارهاصات التي أدت إلى هذه الحركة والثورة المباركة، ولن أبتعد عن الانترنت كثيرا، لأن الشباب اصبح يعمل من خلال هذه الأداة كراعى لها، فهو يبث كل أخبار الدولة، الدولة التي أصبحت العدو رقم واحد في ظل التغييب الكامل له، هل لم يلحظ النظام ذلك، ولم يلحظ جمال مبارك ولا أحمد عز ولا طارق كامل نفسه، أنك قدمت أخيرا سكينة ذبح النظام لأعدائه بيديهم، الحقيقة أن النظام كان مغلوبا على أمره، وسيذكر التاريخ أن د. هشام الشريف المدير السابق لمركز المعلومات ودعهم اتخاذ القرار هو صاحب القرار الأول في ادخال الانترنت في مصر عام 1991، وأن هذا الرجل كان يستحق رئاسة الوزراء في مصر لكن لأسباب شخصية، وشخصية بحته  لم يحدث ذلك، وهومايؤكد على عدائية النظام متمثلا في رئيسه للعديد من الكفاءات المصرية، وأن العزبة كانت تدار بالهوى والرضاء والولاء وليس الكفاءة على الاطلاق وهو ماجرنا إلى تلك الحركة المباركة، وسأتناول ذلك في حديث آخر.

دخول الانترنت مصر عام 1991 هو الذى أنجب شباب حركة 25 يناير 2011، ولعل حركة 6 ابريل 2004 كانت مؤشرا في غاية الأهمية على أن هذه الحركات لن تتوقف، كانت تكنولوجيا المعلومات تتبلور كقاسم مشترك أعظم في مجالات الحياة، لكنها لم تكن تتبلور في ذهن القائمين على النظام، ولا حتى كما سبق واسلفت ولا القائمين على التنظير السياسي بأن تكنولوجيا المعلومات ستلعب دورا في غاية الأهمية في التغيير السياسي والاجتماعي لماذا؟ لسبب جوهري وواضح، أن الحكومات الديمقراطية في أمريكا وأوروبا ودول النفط الغنية لم تستعمل فيها الانترنت كوسيلة لتغيير النظم والسلطة، لأنها بطبيعتها حققت العديد من المكاسب لأوطانها ولأبناؤهم! كانت العين الخبيرة بعيدة إلى حد كبير عن إدراك مدى أهمية استخدام الانترنت كأداة أساسية في التغيير الاجتماعي والسياسي، كان الوهم الكبير أن الانترنت ساعدت في الحصول على مكاسب ساهمت في التنمية في هذه الدول المستقرة سياسيا إلى حد كبير، هل كانت ستلعب هذا الدور في دول محرومة من كل شئ، دول محكومة بحكومات إلهية لاسبيل لتغييرها على الاطلاق، كانت الانترنت تظهر وكان الجيل الحالي هو الأكثر اقبالا على أداته الحضارية الجديدة، الأداة التي لم يعد المتألهون على كراسيهم قادرين على فهمها واستيعابها، كانوا ينظرون إليها على أنها مجموعة من الاحصائيات يقولها وزير الاتصالات، أو المسئولين عن مركز دعم القرار أو بعض خبراء المعلومات في الصحف الحكومية (المشبوهة) والمتواطئة حتى ذلك الحين!

كان الشباب إذن يلاحظ على الانترنت، تحت عامود النور العالمي مايجري في دول العالم المتقدم ويقارن بين مايحدث في بلده ومايحدث في الدول الأخرى، يقارن بين هراوة مفرطة في عدائها له من جانب الدولة، وبين نعيم الدول المتقدمة، وغاب عن الجميع، أن فرار الشباب أيضا إلى الدول المتقدمة في أوروبا كان نتيجة أيضا لهذه المقارنات المستمرة، مالسبب الذي يدفع شابا إلى المقامرة بحياته وهو يعلم جيدا أنه لن ينجو بنسبة واحد في المائة، لكنه كان يتمسك بهذهه النسبة في نفس الوقت الذى لم يعد لديه أي ايمان بالدولة أو النظام، كان يقفز من السفينة وهو يعلم أن سيموت، خير له من البقاء في سفينة تمرح فيها العناكب والغربان، كانت الانترنت تقدم له ذلك ايضا، تقدم له هذا العالم الذي أصبح مدينته الفاضلة والجنة الموعودة التي يسعى إليها.

من التساؤلات الكثيرة في هذا الأمر، هو ان الشباب الذى خرج بتلك المظاهرات كان أغلبه من الطبقة الوسطى في المجتمع المصري وتمثل أيضا في أبناء الطبقة الآرستقراطية، وكانت الاجابات دائما غامضة وملتبسة، لم يفكر الكثيرون بأن فضاء الانترنت ولد نوعا من العدالة بين الجميع، فكلهم على الانترنت متساوون في حق التعبير وفي التفاعل وفي رؤية العالم الآخر، كما أنها اصبحت لديهم اي الانترنت حاجة أساسية تكاد تقترب في قيمتها من حاجتهم البيولوجية، مع انقطاعها اصبح الجميع أيضا سواسية في الظلم الواقع عليهم، لقد ذهبت إذا مقولة الديمقراطية في العالم في اليونان القديمة حين كانت يفتتحها الحاجب بكلمة "من  يريد أن يتكلم"، ذهبت أدراج الرياح مع إعلان الدولة بقطع خدمات الانترنت، وحتى هذا الاعلان لم يحدث، لقد استخدمت الدولة ابنائها البررة من كتلة النظام الحاكم كأداة لهذا القطع والمنع، اتحد الارستقراطي مع الفقير مع الاخوان مع الأقباط، مع الشبعان والجائع، لقد وصل الظلم والافك مداه، كان صاحب نصيحة قطع الانترنت هو صاحب اسوأ فكرة على الاطلاق، كانت الدولة  تمهد بانفلاتها الأمني وقطعها للانترنت والاتصالات وماسبقه من ممارسات الافك السياسي إذن لإغراق نفسها في مستنقع سيقف أمامه التاريخ طويلا، كانت تشد الأنشوطة حول رأسها رويدا رويدا.

لم يفهم الجميع الخبز والهواء الجديد، ولعل استخدام النظام لهراوة قطع الانترنت زاد البلة طين، تلاحقت أحداث سقوط النظام في أخطاء متتابعة، وحين وصلنا ليوم جمعة الغضب كان النظام كله قد سقط في هاوية الأخطاء المتراكمة، الأخطاء الأمنية وغياب القيادة وسبقها تزوير الانتخابات والفساد المتراكم وسيد قراره واستهزاءات أحمد عز، كان كبرياء المحروسة يحترق بأيدي الهمجيين والمغول الجدد من ابناء النظام العظيم الذي كان يحكمنا ومازال، لم يفهموا حتى ماكتبه فوكوياما ولا أعتقد أنهم سيفهموه.

في ذات الوقت أيضا يمكن أن نشير إلى السببية الكامنة في عدم ظهور قيادات للشباب حتى الآن، الحقيقة أن الانترنت لاتفرز قيادات، يمكنها أن تفرز رموزا أو بعض الأشخاص الذين يحملون فكرا معينا لكن يعود فرز القيادات إلى الشارع، وإلى أكثر هؤلاء الثوار قدرة الآن على التعبير عن مطالبهم المشروعة، ولعلي أيضا أكون مخطئا في ذلك، فربما لم يتبلور الأمر حتى الآن لدينا، لماذا لأن تجربة أوباما أيضا مختلفة، فظهوره كقائد كان مرتبط بممارسة ديمقراطية في مجتمع ترسخت فيه الديمقراطية، وهذا معاكس للتجرية المصرية الآن، حتى لحظة قيام ثورتهم، وربما حتى هذه اللحظة لم يكن يفكر أحد  فيهم بقيادة الحركة، لأن الخطاب والتعبير أتي من فضاء الانترنت الذي يتيح العدل والمساواة في التعبير وبالتالي فليس هناك أحد فوق أحد، الخطاب لديهم كان خطابا  تفاعليا، وتعبيرا ممتلئ بالعدالة الخطابية، وأيضا لم يكن همهم البحث عن قيادات، ولأننا مازلنا نفكر في قيادة لهم لتمثيلهم أمام لجان الحوار الوطني وهو تفكير أيضا ينتمي لثورات العصور الوسطى، مالم يدركه النظام والعالم أن الثورات والانقلابات القديمة كانت تقوم بناء على تبني شخص ما أو عدد محدود من الأشخاص لفكرة الثورة ثم يتبعه المجموع لتحقيق رغباتهم السياسية في إزالة القهر السياسي والاجتماعي الواقع عليهم، وهذا الشخص بنجاحه تنجح الثورة، وبفشلة تنتهي الثورة وتندحر، الأمر مختلف الآن، فالثورة التي قامت يمكن القول بأنها ثورة لاتتيح بظهور زعماء، الزعماء يفرزهم التاريخ، ولاتفرزهم الثورة إلا في مراحل متقدمة، وهو تفكير ماركسي إلى حد لكنه يتلاقى مع الأحداث الجارية، بمعنى أن مائة ألف متظاهر من الشباب في ميدان التحرير  إذا توهمت خطأ أنه يمكنك اعتقال قائدهم، فإنك في هذه الحالة ترتكب الخطأ المميت لأنهم كلهم يحملون بذرة القيادة، وستتوالد القيادة من بينهم سريعا، وهم ينظرون إلى أنفسهم على أنهم اشخاص افتراضيون جاءوا من عالم افتراضى للدفاع عن حقوقهم المشروعة في العالم الطبيعي، لذلك هم يرون أنهم متساوون في كل شئ، ولا فضل لأحد منهم على أحد، وهذا أيضا ماتفرزه شبكة الانترنت والشبكات الاجتماعية، وهنا ياتي حل المأزق أو ماقد يزيد الموقف تعقيدا، إن تجربتهم المتناهية الديمقراطية على الانترنت، يحكمها الاستفتاء على كل شئ، ويحكمها رأي المجموع في النهاية، بمعنى أن كل شئ قابل للنقاش وليس هناك قانون أو قاعدة تنتمي لعالم الزراعة أو الصناعة يمكن أن تحكمك، لأن عالم المعلومات أصبحت له قوانينه الخاصة.

السؤال الأكثر أهمية لماذا حدثت تلك الثورة الآن ولم تحدث قبل ذلك؟ أو بلغة أخرى أكثر وضوحا لمن يرى، لماذا نجحت تلك الحركة الآن ولم تنجح الحركات السابقة، على سبيل المثال حركة 6 ابريل؟ لماذا لم يفجر موت خالد سعيد هذه الثورة؟ الحقيقة أن ذلك مرتبط بالعديد من الدوافع والحوافز الأخرى، والشروحات التي سأقدمها تصب أيضا في مصلحة التفكير الماركسي مرة أخرى رغم أنني لم أكن ماركسيا في يوم من الأيام، تحتاج الثورات دائما لحافز قوي يدفعها إلى الحركة، فمع توافر الرغبة السياسية للتغيير، يحتاج الأمر لمزيد من الوقود لكي يتحول إلى محفز ودافع، كما يحتاج الأمر لمحرك، فكما لايمكنك قيادة عربة حتى دون أن تمنحها بعض الطاقة، كان شباب الانترنت يختزن تلك الطاقة مع الوقت، لدى الشعب المصري كله الرغبة في التغيير، ولكن يتملكه الخوف من عصا النظام وقلاعه العنكبوتية التي انهارت في ثلاثة أيام، لأن كل ساكنيها من أبناء النظام، لم يؤمنوا على الاطلاق بكل مافعله النظام، او كان يحصل على مكتسباته في رضاء كامل ولكن إلى حين، القلة يمنحها النظام كل شئ وهى معه، لكن حين يكشر النظام عن أنيابه لهم، أو يتركهم لأنه ينهار من الداخل، فإنهم مع انقضاء المصلحة والخوف على الذات يبدأون في الهرب والتواري، فمبدأ المصلحة الشخصية يغلب هنا على المصلحة العامة، بينما على العكس يأتي الثوار بمصالحهم الشخصية التي تتبلور في مصالح عامة ليصبح ذلك مبدأ لديهم يمكنهم من الصمود، والدفاع عن المبدأ، لذلك لايستغرب أحد من إصرارهم من التخلص ممن قالوا عنهم " شوية عيال خليهم يتسلوا"  ودفاعهم المستميت عن مبدأهم لتطهير ثورتهم من خروج رأس الدولة من الحكم، لقد تبلور المبدأ، الانترنت هنا تدعو لقيم جديدة لايعرفها الكلاسيكيون أمثالي ممن تخطوا حواجز الشباب، المبدأ المصري والشرقي عموما يدعو للاهتمام بالأب وتوقيره مهما فعل وهو مبدأ يعتمد على الاعالة التي يقدمها الأب أو على عنصر الدم، أو الموروث الاجتماعي، وهو مادفع عمر سليمان بالقول بالخروج الكريم للرئيس، الانترنت والعالم السيبراني الذي اكتسب كل مقوماته من العالم الغربي لايعترف بسلطة الأب إلا في حدود ضيقة، السلطة الحقيقية للأكثر كفاءة وليس الأكثر ولاء، وهو مفهوم متغلغل في الدول الديمقراطية في العالم الغربي، فالهدف الوحيد للديمقراطية هو مزيد من الرفاهية، مزيد من الانتاج المتفرد، مزيد من التعبير الجيد، قليل من التراث الاجتماعي، قليل من الولاء، الولاء الوحيد للنظام الديمقراطي، ولايوجد كبير إلا بعلمه ومعرفته وفنه وأدبه، وليس الكبير هو كبير السن، لقد بدأوا يتحللون من جيناتهم وموروثاتهم الاجتماعية، كما أن ذاكرة الأجيال ضعيفة دائما، ذاكرة التاريخ هي وحدها القوية أما ذاكرة الشعوب فهى ذاكرة لاتتحمل التاريخ طويلا في ظل مايقع عليهممن ظلم اجتماعي، ربما في ظني وأنا  مخطئ أيضا أن هذا الجيل لم يتحلل تماما من ذلك بعد، ربما الجيل القادم سيتحلل من ذلك تماما، الجيل الذى ينتمي للفكر العالمي، وربما أيضا هذا مادعى الرئيس حسني مبارك للقول في لقائه التلفزيوني الأخير مع قناة ايه بي سي للقول بأن" أوباما" لايعرف ثقافة المصريين، وهو محق بالمناسبة، لكنه محق لما قبل 25 ينارير وليس لما بعدها، فديمقراطية الشعب لاتردعها اي سلطة، كانت الانترنت تحقن الشباب بأفكارها العالمية عبر الشبكات الاجتماعية والوب سايت، ولقاءاتهم عبرها باشخاص ينتمون للعالم الغربي من جانب ولعالمهم الوحيد الذى يجمعهم ويفرز أفكرهم الجديدة، وكان الجميع بعيدون عن ذلك ايضا، لايدرك القدماء غالبا التطورات الحضارية إلا بعد أن تحدث، هذا هو حال الخطاب السياسي في مصر، وذلك يدعوني للقول بأن الجيل الذي سيحافظ على مبارك لنهاية فترة رئاسته هو جيله الذي يؤمن بالولاء والسن ورب العائلة، بينما الشباب يقولون أين كان رب العائلة حين تم تعذيب وقتل خالد سعيد وبلال وزورت الانتخابات وعم الفساد في ذات الوقت الذي يتم فيه غسيل دماغ كامل للشعب استعداد لظهور وهم التوريث على كل القنوات والصحف والمؤسسات التي تحتلها قيادات لجنة السياسات، ومع احترامي لكثير منهم، لكني لاأعتقد أنهم لايستحقون الجلوس على مقاعدهم فمن لم يقل "لا" عليه أن يرحل، لأنهم فئران تلك السفينة وعناكبها.

أعود لسؤال لماذا لم تنجح إلا ثورة 25 يناير او بسبيلها إلى النجاح إذا صدقنا نظام يتلاعب بالكلمات. إن تطور شبكة الانترنت عبر الخمسة عشر عاما الماضية حمل معه الكثير من التغيرات التكنولوجية التي ساهمت مع الوقت في خلق نوع من التغير الفكري السياسي والاجتماعي لدى الشباب، حين لاحت في الأفق حركة 6 ابريل 2004 كانت تكنولوجيا بلوجات الانترنت هي الأكثر شهرة وكانت مازالت تتطور مع الوقت لكنها سمحت لهذا الجيل أو الجيل الأكبر منه  بخمس سنوات بنوع من التواصل لم يكن ممكنا أو متاحا قبلها، هذا من جانب بينما أتى الفيس بوك والشبكات الاجتماعية عام 2008 على وجه التحديد بمتغيرات جديدة سمحت بظهور وظائف جديدة لم تكن متاحة من قبل، دعونى بلغة بسيطة أقول أنها سمحت بحدوث أمرين الأول هو ارتفاع اسهم التعبير الذاتي من جانب وتحقق الوجود الاعلامي والتعبيري لكل شخص، والأمر الثاني أنها سمحت  بالتواصل عبر مجموعات تؤثر في بعضها وتتأثر ببعضها، ناسفة كل الأشكال التعبيرية القديمة، لأنها كانت محددة التواصل وكانت تحتاج إلى مهارات كثيرة نوعا ما في التعبير والتوصيل، بينما سمح الفيس بوك بتوافر وظائف كثيرة يمكن استخدامها باستخدام مهارات تكنولوجية محدودة، هذا التغير التكنولوجى سمح خلال اقل من ثلاثة سنوات بظهور حوالي مليون شاب مصري على الفيس بوك ومن كل طبقات الشعب، وربما بدأ الأمر بالرغبة في التعبير عن الذات وتحقيق الكبرياء الشخصى وتوافر الرغبة السياسية في التغيير، إلى أن يصبح الفرد  في هذه الشبكة الاجتماعية أكثر علما ومعرفة بدقائق كل مايحدث في وطنه من قهر وظلم اجتماعي بين وقيامه بالمقارنة بين مايحدث لديه ومايحدث في الخارج، هنا بدأت الرغبة في التغيير تتحول إلى إرادة سياسية للتغيير، فيما كان يختزن كثير من الحقائق المرئية عبر اليوتيوب أو مسموعة أو حتى مكتوبة عبر الفيس بوك، كل ذلك كان يتم اختزانه في مرجل جاهز، لكنه لايعرف الوسيلة لإخراج البخار، تقدم الدولة بذكاءها الحقيقي منقطع النظير بالحل، وتأتى تونس بالشرارة، الكبرياء الفردي يتحول لكبرياء جمعي، إذن نحن لسنا مجموعة من  الخراف الذين لايعلمون مصيرهم، كانت تلك نهاية النظام، كانت نهاية التاريخ يكتبها النظام نفسه ليحقق مقولة فوكوياما، بأن النظم الديمقراطية هي التي ستنتصر في النهاية لنكتب بذلك نهاية تاريخ الاضطهاد الانساني!

الأمر الأكثر إثارة، هو سؤال سألته لنفسي ذات يوم، ما السبب وراء تمسك الشباب بمقالات بلال فضل وغيره من الكتاب الشباب، لغة التواصل الاحتماعي على شبكة الانترنت، لغة غير متعالية تخلط بين العامية والفصحى تنحت مصطلحاتها اليومية من المعاناة من جانب ومن التكنولوجيا من جانب آخر، ومن السخرية من جانب ثالث، بمعنى أنها ليست لغة متعالية، لغة فوضوية، لكنها غير متعثرة على الاطلاق في توصيل الأفكار للشباب، هنا يستقل الشباب بأداتهم الحضارية الجديدة، فهي أداة توصيل جيدة للأفكار، ليست لغة سياسية أكاديمية أو لغة مكاتب، إنهم يتداولونها، وهي سبيلهم أيضا للتعبير والرفض لكل ماسبقهم، وهو مادفع أحدهم للقول على قناة العربية "بأننا أعظم جيل أتت به مصر على الاطلاق.. بل أكثر عظمة من جيل 1919"، لقد استوقفتني العبارة وهي تحمل الكثير من التعالي وهضم حق الانجازات الثورية في تاريخ مصر الحديث والمعاصر، لكنها يمكن أن تكون زلة لسان، لكن مايعنيني هنا أن ماوصلوا إليه لم يكن ليتم في يوم وليلة، كانت مصر حبلى بأحداثها، وكان النظام يقيم لنفسه المشنقة بمستهتريه بما ظنوه من ضعف الشعب، في نفس الوقت الذى تطورت فيه الأدوات التكنولوجية لتساعد وتمهد الطريق إلى المشنقة، لكن كل ذلك لم يكن ليتم، إلا بأن الأداة الحضارية الجديدة ساعدت للمرة الأولى في التاريخ المعاصر على ثورة وتغيير جذري للنظام وبالتالي شكل المستقبل في الشرق العربي.. لكن مازالت هناك عشرات من الأسئلة يجب أن نعيها، على سبيل المثال مازال عدم الإيمان بأهمية العلم ودراسة التغيرات والتطورات الحضارية بعيدة عن ذهن المؤسسات العربية، فهل حان الوقت للايمان بأهمية المعلومات والبحث والتطوير في تحسين حياة الشعوب العربية وتعزيز المكاسب الديمقراطية، وهل سنظل ككلاسيكيين ننتمي لعصر الورق الذى ثبت فشله متمسكين بمكاسب العصر الصناعي، أعتقد أن الثورة المصرية أجابت عن الكثير، لكن التطور التكنولوجي والحضاري مازال في بداياته، لذلك أرى عكس فوكوياما، الديمقراطية ليست نهاية التاريخ، لكننا بسبيلنا بشكل أو بآخر للمدينة الفاضلة، وهذه قضية أخرى تحتاج لكثير من التمحيص!

ماأريد قوله لأننا في بداية الديمقراطية التي ساعدتنا فيها كثيرا شبكة الإنترنت نحتاج إلى الحذر، لأن التغيير الذي صنعته الإنترنت في هذا الجيل بسهولة يتحول الآن إلى صدام بين الأجيال وصراع بينها على سدة الحكم، لانريد أن نصنع نهاية الديمقراطية، نريد أن نتعلم من تجربتنا الخاصة جدا، أن نقدم معنى جديد للديمقراطية يجمع بين تراثنا الأصيل وحقنا في التعبير والسلوك الديمقراطي، وبين تعزيز المكاسب الابداعية والانطلاق نحو المستقبل بخطى ثابته لاتحمل اي ادعاءات، وبين وجودنا مع شعوب العالم على شبكة الانترنت ككتلة واحدة.