احصائيات 2018

الابحاث المستلمة: 73

الابحاث المقبولة: 32

الابحاث المرفوضة: 21

قيد التحكيم: 20

الدراسات المنشورة: 31

العروض المنشورة: 7

البحوث الجارية: 3

Print E-mail
العدد 11، ديسمبر 2006
ممارسات القراءة في عصر تكنولوجيا المعلومات والإتصالات

جميلة جابر
مديرة المكتبة المركزية،
الجامعة الإسلامية، لبنان
مستخلص
حملت الثورة المعلوماتية بحركة النشر الإلكتروني منذ أواخر القرنالعشرين حتى يومنا هذا مجموعة من التغييرات أثرت على الكتابة والكتاب، شكلاً ومضموناً، ومفهوماً وأبعاداً. والحديث عن ممارسات القراءةوتطورها في عصر تكنولوجيا المعلومات والإتصال يحيلنا للحديث عن تاريخالكتاب وتطوره عبر العصور، وتسعى هذه الدراسة غلى مناقشة بعضالتساؤلات، منها؛ هل تحول القارىء "القديم" وغير من عاداته متمشياً معالوسائل الإلكترونية الآخذة بالإنتشار؟ أم أننا أمام قارىء جديد؟ هلالقراءة الما فوق نصية هي تطور للقراءة العرضية؟ وما طبيعة العلاقةالقائمة بينهما؟ هل هي علاقة تكاملية أثرّت الواحدة فيها بالأخرى؟ أمهي علاقة إلغائية تنسخ فيها المرحلة الجديدة ما سبقها من قديم؟
الاستشهاد المرجعي بالبحث
جميلة جابر. ممارسات القراءة في عصر تكنولوجيا المعلومات والإتصالات .- cybrarians journal . - ع 11 (ديسمبر 2006) . - تاريخ الاتاحة < اكتب هنا تاريخ اطلاعك على الصفحة > . - متاح في : <أكتب هنا رابط الصفحة الحالية>


المقدمة
إستخدم البعض مصطلح الثورة المعلوماتية وعصر تكنولوجيا المعلومات والإتصال في السنوات الأخيرة يميناً ويساراً، عند كل مناسبة وفي كل مجمع، تارة لتسليط الضوء على أهمية هذه المرحلة والتغييرات التي حملتها وسائطها، وما قدمته من تسهيلات ساهمت في تطورالعلوم وانتشارها وانخفاضٍ في معدلات الأمية وإتاحة المعلومات للجميع وإفساح المجال للتعبير الحر لمن لا يستطيع التعبير ضمن حدوده الجغرافية والزمانية. وتارة أخرى باعتبارها رمز مرحلة إنحطاطٍ جعلت من كل شيء سلعة وهي لم تأتي بأكثر من أدواتٍ حديثةٍ للتسويق، ُتستخدم في الأساس كوسيلة تلاعب بجمهور المستخدمين المنتشرين حول العالم، وتتسم المعلومات فيها بالفوضى وعدم الجدية والتسطيح. وبين الرؤيا المفرطة في التفاؤل والأخرى الآخذة في التشاؤم هناك واقع ملموس ومعطيات واضحة لا تحمل الشك رسختها هذه المرحلة عن طريق التغييرات التي أحدثتها في كل القطاعات وعلى كافة الصعد. وبما أن موضوعنا يدور هنا حول ممارسات القراءة في عصر تكنولوجيا المعلومات والإتصال فسنتكفي بالتركيز على هذا الجانب مع الإشارة إلى الأمور المتعلقة به. وذلك دون الدخول في دوامة الأرقام والإحصاءات. فنحن لا نهدف هنا إلى إثبات كم التغييرات الحاصلة في ممارسات القراءة وعدد القرّاء وإنما نرجو إظهار طبيعة هذه القراءة وخلفيتها وتحديد هوية القارىء الجديدة. هي محاولة للغوص في المفهوم عن طريقشرحه أكثر منها من موقف إثباتي أو نكراني، إيجابي كان أم سلبي. علّنا بالتبيين نعرف، فالإنسان في النهاية يبقى عدوما يجهل.
لقد أحدثت تكنولوجيا المعلومات والإتصال بمختلف وسائلها مجموعة من التغييرات تراوحت ما بين الطفيفة والمترددة حيناً إلى الجذرية حيناً آخر. وقد امتدت هذه التغييرات لتشمل كل القطاعات والأنشطة الإقتصادية والصناعية والتجاريةوالفكرية من حيث الإنتاج كما الإستهلاك على حد سواء. فظهر على سبيل المثال مفهوم التجارة الإلكترونية للترويج للسلع المعروضة على واجهات المواقع الإلكترونية وذلك لحث المستخدم على القيام بعمليات سهلة وسريعة في سبيل شراء تلك السلع على الخط ((on-line. كما وظهرت طرق جديدة للتعلم ولتنمية القدرات العلمية والذهنية والثقافية للطالب. إذ أصبح بإمكانه الاستفادة من المعرفة دون التقيد ببعض الحواجز الرئيسية كالزمان والمكان. وذلك عن طريق الإلتحاق بالحرم الجامعي الإلكتروني على سبيل المثال لمتابعة دراسته الأكاديمية أو عبرالخضوع لدورات التعليم الذاتي المتوفرة على الأقراص المدمجة أو على الخط.
غير أن هذه التغييرات أو التحولات إذا صح التعبير الناتجة عن انتشار تكنولوجيا المعلومات والإتصال لم تطل فحسب وسائل وتقنيات المجالات الإنتاجية المادية والفكرية، بل وطالت المفاهيم والعادات والممارسات المعتمدة فيها.
فليس التعلم عن بعد مجرد وجهٍ آخر للتعلم بالمراسلة، إنما هو انقلاب في نفس مفهوم التعلّم والتعليم والممارسات الأكاديمية وانتقال من مفهوم التلقي إلى مفهوم التفاعل المعلوماتي. فكل منا هو معلّم فيما يعرف وطالب فيما يجهل في آن معاً.
وتدخل هذه التغييرات حتى يومنا هذا في حيّز الجدل والنقاش والإختلاف في وجهات النظر حول مستوى التغيير الفعلي وأثره وآثاره. فلم تكن الثورة المعلوماتية جلية بوقعها كالثورة الصناعية. فإن كان النقاش فيما يخص الثورة الصناعية قد ركزّ على أمور أكثر من سواها مثل البطالة الناتجة عن استبدال مجموع من العمال بعامل وآلة، فقد طالت الدائرة البحثية في عصر تكنولوجيا المعلومات كل الأنشطة بمختلف جوانبها وآثارها الإقتصادية والإجتماعية والنفسية.
وقد تعرضت القراءة كغيرها من الأنشطة في عصر تكنولوجيا المعلومات والإتصال إلى العديد من التغييرات التي تترجمت في تغيير في ممارسات القراءة من جهة وتغيير في هوية القارىء من جهة أخرى.
والحديث عن تحول في عملية القراءة يقودنا مباشرة للحديث عن تاريخ الكتاب ومراحل تطوره وما رافق ذلك من انتشار للمعرفة التي لم تعد حكراً على أصحاب القداسة والجلالة ومن حولهم.
مراحل تطور الكتاب
من الكتابة بالنقش على الألواح الحجرية في العصور القديمة، إلى الطباعة على الورق مع غوتنبرغ في عصر النهضة، وصولاً إلى الكتابة والنشر الإلكترونين في عصر تكنولوجيا المعلومات والإتصال، مر الكتاب بسلسلة من التطورات أثرّت في كل مرة بشكله ومضمونه من جهة، وبمفهومه واستخداماته من جهة أخرى.
البدايات
تعد الكتابة شرطاً أساسياً لوجود ما يسمى النص وبالتالي الكتاب. بدأت الكتابة على شكل رسوم ورموز ومن ثم تطورت إلى مقاطع صوتية ترمز إلى كلمات أو عبارات ومن ثم تطورت إلى حروف أبجدية لتشكل نصوص دونت وحفظت على وسائط متعددة عبر التاريخ.
والكتاب كوسيط إنما يعبرعن رغبة إنسانية لحفظ المعرفة وإعطاء حياة مديدة للنص وذلك عن طريق التدوين. ولعل أقدم وسيلة للتدوين تمثلت في النقش على الحجر الذي اختلف في طبيعته من حضارة إلى أخرى وفقاً لطبيعة الأرض التي عاشت عليها تلك الحضارات. ومن ثم كان التدوين على الألواح الخشبية وأوراق الشجر والقماش.
أول كتاب كان يدعى ((volumen وهو عبارة عن لفافة مكونة من أوراق متصلة من ورق البردى، قد يترواح طولها ما بين العشرة إلى الأربعين متراً. وكان الفراعنة أول من استخدم هذه التقنية في القرن الثاني قبل الميلاد وذلك لكتابة الصلوات والنصوص المقدسة التي كانت توضع مع أموات الطبقة الحاكمة.
وقد كان النص، وفقاً لطوله، يستلزم واحد أو أكثر من تلك اللفافات. ونلحظ هنا أن وحدة النص كانت قد تتجاوز ما عُرف حينها بالكتاب ونرى هذه الصورة في الكتاب المطبوع المؤلف من عدة أجزاء. عدا تكلفة هذه التقنية العالية اتسمت لفافة البردى بالصعوبة في قراءتها، حيث أن النصوص كانت تكتب عليها على شكل أعمدة تمتد على طول اللفافة .
وحل مكان لفافة البردى في الفترة الممتدة ما بين القرنين الثاني والرابع الميلاديين ما يسمى بالكودكس ((codex وهو عبارة عن مجموعة من الأوراق المعلقة ببعضها البعض من الخلف مما سهل عملية القراءة والتنقل في النص.
وشهد الكتاب ما بين volumen وcodex سلسلة تطورات جزئية وانتشاراً محدوداً إلى أن كانت المرحلة الفاصلة مع اكتشاف المطبعة في منتصف القرن الخامس عشر على يد جوهان غوتنبرغ. وتظهر أهمية الطباعة جلية من حيث السرعة في صناعة الكتاب وإنهائه، والكتابة المنسجمة التي تحررت إلى حد ما من خطوط الناسخين والأخطاء الحاصلة أثناء عملية النسخ.
أما في ما يخص العرب فقد استثمروا بالكتابة بشكل ملحوظ في القرن الثامن الميلادي وذلك باستخدام الورق المصنع في بلاد الصين وكونوا مكتبات ضخمة شملت نتاجهم الفكري في تلك المرحلة بالإضافة إلى الترجمات حيث شهدت الحضارة العربية في حينها حركة نقل وترجمة شديدة الإزدهار.
نال الكتاب في عصر المطبعة بعده الإقتصادي المستقل حيث أصبح بالإمكان ولو بشكل أولي الحديث عن صناعة الكتاب ونشره وتوزيعه. وأدى التدني النسبي في تكلفة صناعة الكتاب إلى إنتشاره خارج قصور الملوك والحكّام وبالتالي إلى زيادة في عدد المتعلمين والقرّاء.
ومرالكتاب خلال مرحلة المطبعة بتطورات عدة من حيث تطورالتقنية المستخدمة في الطباعة ونوعية الحبر والورق وكلفتهما ومن حيث تطوير المحتوى وكيفية ترتيبه وعرضه كاستخدام الخطوط المختلفة وعملية تبويب الفقرات وإضافة الفهارس وقائمة المحتويات والكشافات، وقد ساهمت كل هذه التغييرات بتطوير عملية القراءة و بإغناء المكتبات.
وشهد القرن التاسع عشر الميلادي ظهور وثائق أخرى غير الكتاب كالتسجيلات الصوتية والأفلام السينمائية والصور. وأخذ مصطلح وثيقة يحل شيئاً فشيئاً مكان مصطلح الكتاب الذي لم يعد الوسيط الأوحد للمعلومات. ودخل الكتاب مع عصر تكنولوجيا المعلومات والإتصال مرحلة النشر الإلكتروني. وتطورت معه صناعة النشر بشكل ملحوظ. وتميزت بالكلفة الأقل وهبوط بسعر الكتاب إلى حدٍ ما علاوة على سهولة في التوزيع باستخدام وسائل الإتصال الحديثة. وتميز الكتاب الإلكتروني باستخدامه تقنية الوسائط المتعددة multimédiaحيث أصبح بالإمكان ترافق النص مع الصوت والصورة وهو أمر كان غير ممكن مع الكتاب الورقي. وقد عُرّف الكتاب الإلكتروني على أنه مضمون رقمي، ووسيط للقراءة الإلكترونية وبرنامج خاص لقراءة المضمون[2].واستُخدمت التقنية الرقمية في الكتاب الإلكتروني التي تقوم على مبدأ تشفير المعلومات بالطريقة الثنائية (الصفر أو الواحد).
في ما يلي سنحاول إلقاء الضوء وبشكل أساسي على التغييرات الحاصلة في بعض ممارسات القراءة في عصر تكنولوجيا المعلومات والإتصال وإن كان من الصعوبة بمكان الخروج بخلاصة أو استنتاجات جازمة حول هذه المسألة. وتحليلنا للموضوع يرتكز على مجموعة من الفرضيات البحثية القابلة للدحض أو الإثبات .
القراءة المسطحة والقراءة ما فوق النصية lecture linéaire et lecture hypertextuelle
فقد تميزت الكتابة الرقمية بتقنية "الما فوق نصية" (hypertextuelle[3]) التي نقلت النص من البعد الجامد المنغلق على مضمونه إلى النص المرتبط بأجزاء المعرفة الأخرى. وظهر مع القراءة الما فوق النصية مصطلح القراءة المرجعية أو الإنتقائية لمختلف الوثائق، وهي تقنية كانت تمارس بشكل أساسي على الكتب المرجعية كالقواميس والموسوعات في عصر المطبوع. وهذه التغييرات الحاصلة بالكتابة وتقنيتها والقراءة وأساليبها، هي تغييرات فعلية لا يمكن لأحد نكرانها لكن نقطة الخلاف الأساسية تبقى حول مدى عمق هذه التغييرات وتأثيرها على عادات استهلاك المعرفة بما في ذلك القراءة.
غالباً ما لجأ العديد من الباحثين والمؤلفين عند الحديث عن الفروقات ما بين المطبوع والإلكتروني إلى وضع القراءة الما فوق النصية الإلكترونية في موقع المواجهة والنقيض مع القراءة المسطحة المطبوعة. ومصطلح القراءة ما فوق النصية يشتمل على مفهومين أساسين، الأول القراءة باستخدام نصوص أخرى عن طريق العلاقات الفوقية hyperlinks الموضوعة مسبقاً من قبل الكاتب، والثاني هو القراءة التحليلية التي يستعين القارىء خلالها بالمخزون الفهمي والمعرفي الذي يملكه. وفي عصر التقنية الرقمية لم يعد النص وحدة منفردة ينزوي في الوسيط الذي يحمله كما في المطبوع، ولم تعد طريقة الإستفادة منه محصورة بالأسلوب السردي المسطح ((linéaire الآحادي الاتجاه. والما فوق نصية، التي استخدمت بامتياز مع النشر الإلكتروني، هي في الوقت عينه آلية جديدة في الكتابة والقراءة على السواء، تجعل النص تفاعلياً، متعدد الأبعاد والآفاق، كجزء لا يتجزّأ من المعارف المحيطة به.
وما اعتبره البعض عوامل تمّيز وتطور إيجابي في تقنية القراءة في عصر تكنولوجيا المعلومات والإتصال، اعتبره البعض الآخر مآخذ على هذه التقنية. فالعلاقات الإلكترونية الموجودة في نص ما قد تأخذ على أنها عوامل إغناء في قراءة النص من جهة كما قد تأخذ على أنها عوامل تشتيت وتمييع لمضمون النص من جهة أخرى.
وتراوحت ردود فعل المعارضين من ناقد لمدى نجاح القراءة الإلكترونية وتفوقها على القراءة النصية للمطبوع، إلى ناقد يطرح القراءة على الشاشة موضع التساؤل، باعتبار أنها  ليست قراءة جدية.
مما لا شك فيه أن ثورة المعلومات والإتصال لا سيما بعد ظهور وإنتشار الشبكة العنكبوتية منذ العام 1995 وبداية حركة النشر الإلكتروني، قد ساهمت بشكل مهول بنشر المعلومات واستقطبت طالبين جدد للمعرفة هم من خارج الدوائر العلمية والأكاديمية المغلقة المتمثلة بشكل أساسي بالمكتبات بمختلف أنواعها. فأصبح بإمكان المستخدم وهو في منزله قراءة الأخبار والمقالات واستشارة الموسوعات والقواميس على الخط أوعلى القرص المدمج بطريقة أسرع وأوفر مما هي عليه في المطبوع. وتجدر الإشارة إلى أنّ الإحصاءات حول القراءة لا تزال لا تضع هذه الفئة في عداد القرّاء بل تعتبرهم مجرد مستخدمين للتقنيات الحديثة للمعلومات والإتصال. علماً أنه كان بالإمكان طرح إشكالية جدوى القراءة عند قراءة الكتاب المطبوع ضمن الإطار نفسه وبالمستوى ذاته.
ومع استمرار هذا الجدل حول القراءة وواقعها ومستقبلها في عصر تكنولوجيا المعلومات والإتصال ونظراً لإفتقارنا لمعطيات تصلح كأجوبة على الأسئلة المطروحة في هذا الإطار فإننا سنكتفي بتبيان خصائص ما يسمى بالقراءة الإلكترونية وممارساتها علّ التوضيح يساعدنا على فهم حقيقة الوضع في سبيل محاولة تقويمه.
بعيداً عن أية عملية هيمنة أو استقصاء للمراحل السابقة في مسار الكتابة والكتاب وصولاً للقراءة وممارساتها حملت التنقيات الحديثة للمعلومات والإتصال معها، كغيرها من التقنيات أبعاداً جديدة للتعامل مع المعرفة والإستفادة منها. وعلى الرغم من انتشارالكتاب منذ عصور طويلة إلا أنه لم يفرض منطق المعلومات كما هو عليه الحال في هذه المرحلة. إذ كان الوسيط حاضراً بقوة بأبعاده وشكله وصولاً إلى جماليته. في مرحلة الكتاب المطبوع بينما مع الإلكتروني فإن القارىء ينحو إلى نسيان الوسيط والإهتمام بالمعلومة بشكل أساسي، من هنا تسمية المكتبات المتوافرة على الخط بالمكتبات " الإفتراضية" virtuelle على سبيل المثال. وكما استلزم الكتاب شرط معرفة القراءة لإستخدامه والإستفادة من محتواه تستلزم التقنيات الحديثة امتلاك حدٍ أدنى من المهارات المعلوماتية. فلا يكفي أن نعرف القراءة والكتابة على الورق حتى نستطيع التعامل مع الوسائط الجديدة للمعلومات. وهذا ما عُبر عنه بالمصطلح الجديد "المعرفة المعلوماتية"[4](information literacy) .
وتتميز القراءة الإلكترونية بأنها قراءة إنتقائية من النص أكثر منها قراءة كلية له، وكما الحال في النصوص المطبوعة فهي تهدف إلى إيجاد المعلومات التي تصب مباشرة في إطار اهتمامات المستخدم البحثية دون الحاجة إلى اتباع مسار النص الآحادي الإتجاه من البداية حتى النهاية.
وعلى عكس اتجاه القراءة العرضية للمطبوع ، فإن القراءة الإلكترونية هي قراءة عمودية للنص تماماً كما لفافة البردى كما أشرنا سابقاً، حيث تظهر المعلومات في شكل نافذة، يتنقل فيها المتصفح من معلومة إلى أخرى عبر النقر على العلاقات المحددة مسبقاً (hyperlinks) أو على المستعرض في طرف الشاشة. وبينما ظل النص المطبوع محدوداً بأبعاد الصفحة التي تحمله وشكلها، كسب النص الإلكتروني مرونة أكثر في الشكل وطريقة إظهاره. ولكن هذا التمايز بين النص المطبوع والنص الإلكتروني لم يتعد في أغلب حالته عملية تفاعل ما بين التقنيتين. فنحن في بعض الأحيان أمام كتاب مطبوع هجين متوافر إلكترونياً. ولا زلنا نرى على سبيل المثال، أن مفهوم الصفحة كوحدة قرائية موجودة بقوة في النص الإلكتروني وإن اختلفت في حجمها وأبعادها عن الصفحة المطبوعة، بل وأكثر من ذلك نجد حتى الآن نوعاً من الهيمنة للنصوص المطبوعة في العالم الإلكتروني مثل نصوص PDF.
وكذلك أثّر الإلكتروني بدوره على المطبوع فنشهد في عصرنا الحالي حركة ناشطة من النشر الإلكتروني لسنا بصدد تقييم مدى انتشارها هنا. فهناك الصحف المطبوعة التي احتلت مكاناً لها على الخط ((online وكذلك دور النشر التي بدأت بإصدار سلعها بشكل إلكتروني مصاحب للنص المطبوع. أما دور النشر التي اتجهت كلياً نحو النشر الإلكتروني وصناعة المعلومات باستخدام تقنيات الإتصال لا تزال إلى حد ما حكراً على طبقة معينة من المستفيدين.
ولا أحد ينفي للكتابة الإلكترونية مدى إنتشارها وسهولة توصيلها المعلومات إلى المستفيد النهائي بسرعة. إلا أن السؤال المعضلة يدور بشكل أساسي حول إمكانية قراءة النصوص الإلكترونية على الشاشة بسهولة إذ لا يزال عدد من مستخدمي الوسائل الحديثة للمعلومات يلجؤون إلى طباعة النصوص على ورق لقراءتها لاحقاً.
وبين الكتابة الإلكترونية الأصيلة والكتابة الإلكترونية الهجينة والقراءات المتعددة للنص شكلاً ومضموناً تظل تقنيات الإتصال بشكل أساسي هي ما يميز عصر المعلومات. فالقواميس والموسوعات وجدت منذ أجيال كذلك الفهارس والكشافات التي تتمثل بمحركات البحث على الشبكة وما يميزها هنا هو سهولة النفاذ في آن معاً. وإذا كان لا بد من استخدام كلمة ثورة هنا فهي تصلح في منحى الاتصال أكثر منها في منحى المعلومات. فنحن في رأينا لسنا أمام عصر جديد للمعلومات وإنما عصر الإتصال، وإن كان البعض يعتبر أن التغييرات البنوية التي حصلت بالنص هي تغييرات بالمضمون وبالتالي بالمعلومات ونحن لا نتفق مع هذه النظرة التي تنطلق في تحليلها من المنحى اللغوي التركيبي للنص. فالنص، بالنسبة لنا هو ذاته إنما الرسالة هي التي تغيرت مع تغير الوسيط. وتنطبق مقولة العالم القرية الصغيرة[5] التي أطلقت في عصر وسائل الإعلام الجماهيرية، بشكل أفضل في عصرنا هذا، وإن كنا نتحفظ على كلمة قرية، ففي عصر المعلومات والإتصال ليس فقط يمكننا الحصول على " أية معلومة" أينما وجدت، ومن أي بقعة أرض صدرت وبأسرع وقت ممكن، بل ويمكننا أن نكون مشاركين فاعلين في تلك المعلومة.
ملاحظات وإستنتاجات
عززت الوسائط الإلكترونية بعض الممارسات الجديدة في القراءة مثل القراءة المرجعية الإنتقائية والما فوق نصية التي سهلتها التقنيات الحديثة للمعلومات والإتصال.
ولا تزال هذه القراءة بالنسبة لشريحة لا يستهان بها من المثقفين والباحثين غير محسوبة كقراءة حقيقية، يعيبون عليها افتقارها للجدية في الشكل والمحتوى. مع أن هذه القراءة بممارساتها كانت قد وجدت ومورست إلى حد ما قبل الوسائط الإلكترونية. فهي برزت الما فوق نصية" (hypertextuelle) في بناء الوثيقة الإلكترونية على شكل علاقات فوقية ((hyperlink قد تكون داخلية تقود القارىء إلى أجزاء أخرى داخل النص، أو خارجية ترسله إلى نصوص أخرى خارج الوثيقة. أما مع الكتاب المطبوع فقد تمثلت بالهوامش على جانبي صفحات الكتاب أو حتى في أسلوب القراءة. حيث استعان القارىء أثناء قراءته لكتاب ما بمراجع أخرى تساعده على فهم النص دون أن ننسى ذكر الإستطرادات الذهنية التي مارسها القارىء باستخدام مخزونه المعرفي وقراءاته السابقة وهي ممارسة تصلح مع أي نص مهما كان الوسيط الذي يحمله. والتغييرات الحاصلة بالكتابة وتقنيتها والقراءة وأساليبها، هي تغييرات فعلية لا يمكن لأحد نكرانها لكن نقطة الخلاف الأساسية تبقى حول مدى عمق هذه التغييرات وتأثيرها على عادات استهلاك المعرفة بما في ذلك القراءة. واعتبرت هذه الممارسات نقاط قوة وعمق في القراءة والفهم في المطبوع بينما هي بالنسبة للبعض وسيلة تضليل عن النص وفهمه.
وإذا كانت مقولة مارشال ماكلوهان "الرسالة هي الوسيط"[6] بمعنى أن الوسيط يشكل الرسالة بحد ذاتها، تحمل شيئاً من الصحة فلا بد حينها من الإقرار بأن لكل وسيط رسالته. فكما للكتاب المطبوع كوسيط رسالته وقراءته، فللكتابة الإلكترونية بوسائطها، رسالتها الخاصة أيضاً، فرضت بها منطقاً جديداً من الممارسات والاستخدامات. فالمضمون ذاته لا يوصل نفس الرسالة ولا يعطي نفس التأثير إذا وجد في وسيطين مختلفين كالمطبوع والإلكتروني. ولا يقع عصر تكنولوجيا المعلومات والإتصال فحسب ضمن سلسلة من التطورات التاريخية التي مر بها الكتاب والكتابة وممارسات القراءة إنما يحمل في نظرنا في الوقت عينه بعداً إنسانياً وفلسفياً يتخطى ذلك بكثير. فمفهوم القراءة الما فوق نصية قد سبق ومورس في التاريخ البعيد ولو بطريقة محدودة. وانتظرت هذه التقنية حتى عصر تكنولوجيا المعلومات والاتصال حتى تأخذ حجمها الفعلي كتقنية كتابة وقراءة على السواء. فالكتابة الما فوق نصية تشكل بتمّيز تلك الرغبة الجامحة للتفلت من نص جامد مغلق للإنتماء إلى فضاء المعرفة الواسع. وما مراحل التطور في رأينا إلا استمرار لذلك البحث القديم المستديم للإنسان لتحصيل الحكمة وبالتالي السعادة. فقد لجأ الإنسان ومنذ البداية إلى الكتابة لحفظ وجوده وذاكرته وتراثه المعرفي. فدوّن عبرالتاريخ معتقداته واكتشافاته وصولاً إلى أحلامه وتأملاته. وإذا كانت الكتابة في بعدها الفلسفي هي ثورة على الموت ورغبة متأصلة بالخلود. والحكمة هي الطريق إلى السعادة الأبدية، فقد كتب الإنسان وقرأ عبر العصور وعمل على تطوير الوسائل والتقنيات في سبيل تحقيق السعادة والحكمة الأبديتين. ويشكل عصر تكنولوجيا المعلومات والإتصال بنظرنا، لا سيما في تقنيات الاتصال فيه، تجسيداً لرغبة إنسانية بعيدة نشأت في "مجرة غوتنبرغ" وترعرت في"القرية الكونية" وهي تطمح لإلغاء الحواجز الفكرية والمادية بين الأفراد، عن طريق تعزيز التواصل في ما بينهم. إنها رغبة لجمع شمل العلوم والحكمة مجدداً، وتوحيدٍ للإنسانية في المكان والزمان. وقد تبدو هذه النظرة بالنسبة للبعض مفرطة في يوتيبيا بعيدة عن واقع الممارسات الفعلية في عصرنا، إلا أننا نرى أن أية محاولة لتحليل هذا الواقع بتجريده من علة وجوده هي محاولة ناقصة تجرد الفعل من مضامينه وأبعاده الإنسانية. من هنا فإن ممارسات القراءة بقارئها الجديد بهويته، القديم باحتياجاته وتطلعاته، اكتسبت أبعاداً ومعاني جديدة، فرضتها طبيعة الوسائط المستخدمة في عصر تكنولوجيا المعلومات والإتصال. فنحن نشهد ممارسات جديدة في القراءة مع الإنتقال من المطبوع السطحي الآحادي الإتجاه إلى الكتابة الإلكترونية الما فوق النصية، وهي قراءة تتأرجح ما بين الكلية والإنتقائية المرجعية. كما نشهد ولادة هوية جديدة لقارىء عصر تكنولوجيا المعلومات والإتصال الذي هو إبن للمرحلة أو متأقلم معها.


بعض المراجع
·        Pour comprendre les média. Marshall McLuhan. Ed. Seuil, coll. Points, 1968.
  • Du texte à l'hypertexte: vers une épistémologie de la discursivité hypertextuelle. Jean Clément.
Visité le 03/05/2006
  • L'avènement du livre électronique : simple transition ?.Sous la direction de Jacques Crinon et Christian Gautellier. éditions Retz, 1997.
  • Lecture et documents électroniques.CLAUDE MORIZIO.64th IFLA General Conference, 1998.
  • A short introduction to information literacy
Visité le 03/05/2006.
  • Une réflexion sur l’édition électronique
Visité le 25/04/2006
  • Histoire de la lecture.- Laurent Jenny.Dpt de Français moderne.Université de Genève, 2003.
  • Histoire du livre.Un article de Wikipédia, l'encyclopédie libre, 2004.
Visité le 27/04/2006
  • Lire et écrire au XXIe siècle. Jean-Louis Lebrave.
  • Children’s And young people’s reading habits and preferences: The who, what, why, where and when.Christina Clark and Amelia Foster. National Literacy Trust, December 2005.


[1] Histoire du livre.Un article de Wikipédia, l'encyclopédie libre, 2004.
[2] L'édition électronique: dossier thematique de l’ENSSIB.
[3] Du texte à l'hypertexte: vers une épistémologie de la discursivité hypertextuelle. Jean Clément.
[4] http://www.cilip.org.uk/professionalguidance/informationliteracy/definition/introduction.htm
[5] Pour comprendre les média. Marshall McLuhan. Ed. Seuil, coll. Points, 1968.
[6] Idem.